الأدب الياباني

اذهب الى الأسفل

الأدب الياباني

مُساهمة من طرف the gospel في الإثنين 3 مارس 2008 - 23:02

الأدب الياباني
بقلم: شوقي بزيع






استطاع الأدب الياباني منذ اكتشافه من قبل النقاد والدارسين والمترجمين قبل عقود قليلة أن يشق طريقه بسهولة إلى قلوب القراء العرب، وغير العرب أيضا، وأن يحتل مكانة مرموقة ومميزة في إطار الأدب العالمي.
بدا ذلك واضحاً في مجال الشعر حيث لفتت الأشكال المختزلة والدقيقة لقصيدتي الهايكو والتانكا أنظار العالم بما تمتلكه من قدرة فائقة على الإيحاء والعمق والتسديد إلى قلب المعنى ومن قدرة موازية على تحويل الحواس إلى أبواب حقيقية لاكتناه العالم وسبر أغواره.
كما بدا من خلال الرواية التي استطاع روائيو اليابان الكبار من أمثال كاواباتا وميشيما وفوكازاوا وتانيزاكي أن ينحرفوا بها باتجاهات مغايرة وغير مسبوقة رغم كون هذا الفن فنا غربيا بامتياز. وهو ما يؤكده افتتان الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز بالرواية اليابانية وبخاصة رواية <<الجميلات النائمات>> لكاواباتا التي رأى فيها ماركيز الأثر الأدبي الأهم الذي كان يرغب في أن يكون كاتبه.
تجسد رواية <<الذين يحبون الشوك>> لغونشيرو تانيزاكي، التي صدرت مؤخرا عن دار المدى ونقلها إلى العربية عابد إسماعيل، الكثير من ملامح الرواية اليابانية الحديثة سواء من حيث فكرتها ومناخها العام أو من حيث تقنياتها الأسلوبية. فتانيزاكي شأنه شأن معاصريه اليابانيين الكبار يتناول القضايا الكبرى للمجتمع الياباني لا من خلال الطروحات السياسية والإيديولوجية الفجة والمباشرة بل من خلال الحياة العادية للناس وما يكتنفها من مشاكل وهموم صغيرة ويومية. ثمة دمج غير متعسف بين الظواهر والسلوكيات والأحداث التي تطفو على السطح وبين ما يعتمل في الباطن من زلازل وفورانات وتبدلات عميقة في أحشاء المجتمع. فالخاص والعام هنا لا ينفصلان ولا يسيران في خطين متوازيين بل يتمرأى كل منهما في الآخر ويكشفان معا عن المواجهة الضارية التي تخوضها اليابان مع نفسها من جهة ومع الآخر، الغربي بوجه خاص، من جهة أخرى.

أحداث قليلة
ليس ثمة أحداث كثيرة في رواية <<الذين يحبون الشوك>>. لا بل أن جملة الأحداث والوقائع التي يدور حولها العمل لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة. فعلى امتداد مئتين وثلاثين صفحة من السرد ليس هناك سوى قضية واحدة وعادية، بالمعنى الظاهري للوقائع، هي قضية الأزمة التي تعصف بحياة زوجين ينتمي أحدهما، وهو الزوج، إلى الحي التجاري في مدينة طوكيو، فيما تنتمي الزوجة إلى مدينة أوساكا التي تعتبر إحدى أكثر المدن اليابانية محافظة على القيم والتقاليد الأصيلة والموروثة. منذ الصفحة الأولى يضعنا تانيزاكي أمام الحياة المأزومة للبطلين، كانيم وميساكو، اللذين توصلا إلى قرار الطلاق لأسباب ظلت غامضة وملتبسة حتى نهاية الرواية من بينها أن أحداً منهما لم يعد يمتع الآخر على الصعيد الجنسي. ومن بينها أيضا أعراض التقدم في السن التي لم تكن قد ظهرت على أي منهما بعد. ولكن المؤلف يرى أن هذه الأعراض هي أمر يجب أن يقاومه كانيم من أجل أمر لا يلعب لمصلحة ميساكو الأصغر سناً بقليل.
ذلك أن السبب وراء قرار الانفصال على أي حال مرده أنهما لا يريدان أن يطعنا في السن وأنهما يريدان أن يكونا حرّين، يعيشان شبابهما إلى الأبد.
تدور الرواية برمتها في إطار هذا القرار الذي لم يجد طريقه الى التنفيذ أو الحل النهائي تارة بذريعة الخوف من إيذاء طفلهما الصغير والوحيد وتارة أخرى مداراة لمشاعر والد ميساكو، العجوز المهتم بمسرح الدمى والمتزوج من أوهيسا المطيعة والأشبه بالدمية والتي تصغره بأكثر من ثلاثة عقود. ومع أن كانيم هو الذي دفع ميساكو بنفسه للتقرب من رجل آخر ومحاولة الارتباط به كي لا تثقل عليها وطأة الانفصال فإنه من جهة لا يشعر تجاهها بأي كراهية أو نفور ولا يدمج بينها وبين فكرة المرأة الغانية التي يحاول دفعها نحوها بشكل متعمد. إلا أن ذرائع التردد في أخذ القرار تسقط الواحدة تلو الأخرى. فالطفل هيروشي يتم إخباره بالأمر من قبل تاكاناتسو، ابن خالة كانيم القادم إلى الزوجين في زيارة خاصة، دون أن يظهر عليه ما يشير إلى الصدمة المريعة. ووالد ميساكو بدوره يتفهم قرار الزوجين رغم محاولة التوفيق بينهما عبر دعوتهما الى منزله.
لكن النهاية مع ذلك لا تشير إلى الحل النهائي الذي توصل إليه كانيم في نهاية المطاف، كما لو أن هذا الحل يظل متروكا في عهدة القارئ نفسه. تظل النهاية مفتوحة على الخيارات كلها بدءاً من طلاق البطلين وانتهاء ببقائهما معاً الى النهاية أو بالحفاظ على <<ستاتيكو>> موقت يؤجل القرار الأخير ولا يلغيه.
كل هذه الأحداث كما ذكرت لم تكن لتثير أي اهتمام لو لم يكن المؤلف يابانياً ومن وزن تانيزاكي. ففساد الحياة الزوجية لأسباب جنسية أو عاطفية أو لتباينات مزاجية وفكرية هو أمر يتكرر ملايين المرات في كل بلد وعصر. لكن الأمر في هذه الرواية يتجاوز الجانب الشخصي أو المحدود ليتناول أزمة اليابان برمتها من خلال العلاقة بين شخصين متزوجين.
ذلك أن تانيزاكي يقودنا شيئاً فشيئاً إلى معرفة ما يدور في أعماق كل منهما من هواجس وخيارات. فكانيم يرى في سلوك زوجته ميلاً متعاظماً لكل ما هو غربي وحديث ووافد من الخارج في حين يشتد حنينه الشخصي باتجاه ماضي اليابان وتراثها وتقاليدها العريقة. لم يكن هذا الحنين واضحا في البداية، إذ انه على العكس من ذلك كان شديد النفور من مسرح الدمى المزدهر في مدينة أوساكا العريقة بقدر ما كان ينفر من المظاهر التقليدية الأخرى للفن والحياة اليابانيين. ولكنه أحس فجأة بالارتياح والتآلف مع ما كان يصيبه سابقا بالضجر، إذ ثمة <<شيء آخر يكاد يقترب من الكآبة الهادئة والغامضة للمعبد (...) كان ذلك بعيدا كل البعد عن البهاء الذي يرسله فيلم من هوليود. على النقيض من ذلك كان بهاء خافتا ومصقولا، سريع الزوال، يخفق من تحت حجب القرون>>.
تبدو حياة الزوجين بهذا المعنى مؤشراً بالغ الدلالة إلى مخاض اليابان نفسها وهي تحاول أن تعثر على هويتها النهائية وسط عالم من التحولات. وهو ما يفسر بالطبع تحول العمل من بعض وجوهه إلى بحث أنتروبولوجي حيناً وسوسيولوجي حيناً آخر. فنحن هنا إزاء أسماء كثيرة لمدن يابانية متفاوتة التطور والنمو بقدر ما تتفاوت في حفاظها على الهوية الأصلية أو إصغائها إلى ما ترسله نيويورك ولندن وباريس من إشارات. سيكون على القارئ هنا أن يبدي الكثير من الصبر إزاء ابتعاد الرواية عن التشويق الحدثي والانعطافات الدرامية المباغتة وجنوحها نحو التحليل والتقصي والمقارنات البحثية الصرف. على ان هذا الجنوح ما يلبث أن يندمج مرة ثانية في إطار التمزق الإنساني والصراع المحموم الذي يتحكم بدواخل البشر وخياراتهم النهائية.
لا يجب في هذا السياق إغفال الزمن الذي تنتمي إليه رواية <<الذين يحبون الشوك>> وهو الزمن الواقع بين الحربين العالميتين الأولى والثانية حيث لم تكن اليابان قد أنجزت ثورتها العلمية والتكنولوجية بعد وان كانت قد ذهبت بعيداً في هذا الخيار الذي بدأته منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر. وعلينا ألا ننسى الصعوبات الهائلة التي عاناها ذلك البلد الممزق طويلاً بين نداءات الماضي وثقل التقاليد وقوة القيم الروحية وبين نداءات الحاضر والمستقبل التي شرعت الأبواب واسعة أمام الحداثة وحولت اليابان إلى واحدة من أكثر دول العالم تقدماً وازدهاراً. تقع رواية تانيزاكي إذن في قلب هذا الصراع وداخل أتونه المتعاظم.
وهي تكشف بوضوح عن رؤية اليابانيين إلى الأدب بوصفه مشروعاً حضارياً ومعرفياً ورؤيوياً لا بوصفه فانتازيا وإنشاء وجماليات مجردة.
حين كتب تانيزاكي روايته <<الذين يحبون الشوك>> كان يلخص بحسه المرهف وحدسه البعيد مأزق اليابانيين المتعاظم وهم يبتعدون عن الحلول السهلة والطرق المعبدة بالورود ويختارون طريق الشوك الذي هو الممر الإجباري باتجاه الورود الحقيقية. لم تكن الحرب العالمية الثانية قد وقعت بكل جحيمها وهولها آنذاك لكن تانيزاكي كان يمهد بوضوح لصورة الزلزال التي تتجمع في باطن اليابان بقدر ما كان يمهد للأصوات الأدبية اللاحقة من أمثال كاواباتا وميشيما اللذين لم يجدا سوى الانتحار سبيلاً للاحتجاج على هزيمة اليابان المدروية وللانتصار للروح اليابانية المختزنة في الأعماق التي انتصر لها تانيزاكي في جملة أعماله.

the gospel
Admin

عدد الرسائل : 1420
تاريخ التسجيل : 25/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elmase7kam.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى