العدوانيّة..**********

اذهب الى الأسفل

العدوانيّة..**********

مُساهمة من طرف the gospel في الإثنين 3 مارس 2008 - 23:43

العدوانيّة..
بقلم: جيانا كردي




إن أحد أسباب العدوانيّة المفرطة هو الكبت الجنسي، فعلينا بداية توضيح مصطلح العدوانيّة وما يعنيه، آخذين برأي مدارس علم النفس المختلفة.
العدوانيّة والعنف قديم قدم البشرية، وأكبر دليل على ذلك قصة هابيل وقابيل فقد قام قابيل بقتل أخاه هابيل:
"فلما كانا في الحقل وثب قاين على هابيل أخيه فقتله".. (سفر التكوين 4)
"فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله..." (المائدة 30)
عرّف العرب القدماء العنف بأنه "السلوك الذي يزيل الخصم أو يجعله يغير تصرفاته أو مواقفه لكيلا يعيق المعتدي"!..
وأيضاً: "العنف فرق بالأمر، وقلة الرفق به. وهو التوبيخ واللوم والتقريع"..

1- العدوانيّة من منظور 5 مدارس نفسية مختلفة:
أ) العدوان من منظور التحليل النفسي
كثير من المحللين يتصورون العدوانية على أنها نتيجة الخطيئة الأصلية، وهذا يعني أن العدوانية ليست أمراً عارضاً، بلا من مقومات الوجود الإنساني.
تصور فرويد العدوانية على أنها اندفاعة مرتبطة باندفاعة الليبيدو. فالليبيدو هو الطاقة الحيوية التي تدفع المرء لأن يحيا ويتمتع. ذلك هو مبدأ اللذة. ولكنه يتحتم على الإنسان أن يأخذ بعين الاعتبار بعض القيود والفرائض الأخلاقية والاجتماعية، ويتخلى أحياناً عن اللذة. فالطفل يريد استملاك أمه (أو إزاحة أبيه) فيما هي ترفض له ذلك، فتنشأ أولى النزعات العدوانية. بذلك تكون العدوانية جواباً على ذلك الحرمان التي يفرضها " مبدأ الواقع "، تلك القوة الكابتة التي تحد من إشباع الرغبات الجامحة.
فالعدوانية بالنسبة للتحليل النفسي تستهدف أمرين: فهي تحشد طاقة الفرد، فتمد الحياة بأسباب البقاء والاستمرار، وعندها تكون قوة دافعة إلى العمل والكفاح، من أجل إقامة التوازن بين الرغبات ومبدأ الواقع. إلى أن العدوانية في نفس الوقت تدفع الفرد إلى الرغبة في الموت، إلى الاستسلام لهدوء الموت للعودة إلى المادة الجامدة. هنا تكمن الازدواجية العدوانية، فهي تضمن الحياة، في حين أنها تقود إلى الموت. إن هاتين النزوتين (الحياة والموت) المتعارضتين والمتضافرتين معاً، هما في أصل الازدواجية التي تلازم النفسية البشرية، فنزوة حفظ الذات هي بالتأكيد من نوع جنسي، ولكنها مع ذلك لا بد أن تملك قدراً من العدوانية تحت تصرفها لذا كان لها أن تحقق غرضها وهكذا أيضاً نزوة الحب، عندما توجه نحو موضوع ما، نكون في حاجة إلى إسهام من نزوة السيطرة إذا كأنها أن تملك بأي وسيلة ذلك الموضوع.
يعتقد فرويد أن منطلق الوجود الإنساني يسير نحو الموت: في البدء كان الموت والحال أن الحياة تسعى إلى استعادة حالتها السابقة. إذا كانت النزوات تهدف إلى العودة بالكائن الحي إلى أحواله السابقة فلا بد أن في الإنسان نزعة تهدف إلى العودة به للحالة السابقة ألا وهي الحالة الجامدة.
والحياة تؤدي آخر الأمر إلى الموت وتسعى إليه والكائن الحي يسعى حثيثاً نحو السكون ذلك السكون الذي ينتهي إليه إذا ما وصل إلى حالة المادة الجامدة.
" والحال فإن ميل الاندفاعات للعودة إلى حالتها الأصلية، الموت، يكرس أولوية نزوة الموت التي تتبدى في لخارج بالعدوانية" (عباس,فيصل- الإنسان المعاصر في التحليل النفسي الفرويدي-ط1-دار المنهل-بيروت-2004, ص490, 2004)..
يشير فرويد إلى أن هذه النزوات فطرية، غير مكتسبة، وإذا العلاقة بينها بين الحياة الاجتماعية والثقافية تتسم بالصراع، لا الانسجام والتناقض لا التماثل.
تبلورها في الفرد يتم من خلال صراع تلك النزوات مع القيود الاجتماعية والثقافية.
فالعدوانية ميل أصيل في الطبيعة الإنسانية وهي ليست نتيجة للتطور الحضاري أو نتيجة للفساد الاجتماعي أو بسبب علاقات الملكية الخاصة، كما يقول الماركسيون، فالإنسان في نظرهم طيب وحسب، وهو لا يريد لقريبه إلا الخير، لكن مؤسسة الملكية الخاصة أفسدت طبيعته فالعدوانية لم تخلقها الملكية يقول لفريد بل كانت تسود بلا حدود تقريباً في أزمنة بدائية كانت الملكية فيها غير ذات شأن.
ويرى فرويد أن النزاعات والحروب ليست نتيجة للتناقضات الاجتماعية أو الطبيعية بل هي نتيجة للنزعات العدوانية الأصيلة في الطبيعة الإنسانية.
في المجتمعات المتحضرة يخفي كل فرد داخله نزعة العدوانية وهو يسعى إلى إشباعها إذا سمحت له الظروف الملائمة، فالناس المتحضرين يتراجعوا مذعورين من فكرة القتل، ولكنهم لا يرفضون إشباع جشعهم، عدوانيتهم، ولا يترددون في إيذاء قريبهم بالكذب والخداع والافتراء، إن أمكنهم أن يفعلوا ذلك بلا عقاب.
وبسبب هذه العدائية الأولية يكون المجتمع المتحضر مهدداً دائماً بالدماء.
وربما يكون دعامة الحضارة، الوصية لا تقتل، مما لا شك فيه أن الحضارة حرمت على الإنسان أن يقتل قريبه إذا ابغضه أو ضايقه أو طمع في أملاكه، حرصاً منها على حياة البشر المشتركة التي كانت مستحيلة لولا ذلك التحريم.
ويرى المحللون وعلى رأسهم سيغموند فرويد، أن الأفراد وإن كانوا يعيشون في مجتمع متحضر فليس بالضرورة أن يكونوا متحضرين، فهم يقوموا بأعمال العنف والقسوة والقتل، والعنصر الحضاري لم يترسخ في الناس بدرجة كافية والميول العدائية تتأجج في داخلهم.
يمارس الفرد الذي يعاقب نفسه أو الذي يعاقبه ضميره على ذاته عداونية يفصح عن مدى ما وصل إليه أناه الأعلى من قسوة.
"إن الأنا الأعلى احتفظ بالسمات الجوهرية للوالدين اللذين اجتانهما عن طريق الإسقاط إلى داخل الأنا، أي أنه احتفظ بسلطتهما وقسوتهما وميلهما إلى المراقبة وآنذاك العقاب" (المرجع السابق,ص496).
وبقدر ما يصبح الإنسان أقل عدوانية بالنسبة إلى الخارج، فإنه يصبح عنيفاً وعدوانياً في أناه المثالية. وبقدر ما يتحكم الإنسان في عدوانيته بقدر ما يصبح مثاله عدوانياً ضد أناه. ويبدو ذلك كأنه إبدال أي تحول ضد أنا الشخص نفسه.
إن تقدم الحضارة ليس ممكناً إلا بتحويل واستخدام نزوة الموت أو مشتقاتها، وإن تحويل النزعة التهديمية للأنا نحو العالم الخارجي تغذي التقدم الحضاري. وفي هذا التحول تدفع نزوة الموت في خدمة ايروس، إذ أن النزوات العدوانية تنشئ الطاقة الضرورية للتحويل واللازمة للتحكم والاستثمار للطبيعة لصالح الإنسانية.
"ينبغي الاعتراف بأن من واجب الحضارة أن تمارس في سبيل مصلحة البشرية، ضغطاً مستمراً في اتجاه كبح النزوات العداونية وتحويلها عن مجراها" (المرجع السابق,ص500).
وقد قام المجتمع إلى حل الصراع بتعبئة دينية سعى بواسطتها إلى التقريب من الناس وربطهم إلى بعض عن طريق وصايا "أحب قريبك كنفسك".. "أحبوا أعداءكم" (لوقا 6) ومن المؤكد أن تلك الوصية السامية تفرض علينا التسامح تجاه الخصوم وتدعونا إلى حب الإنسانية قاطبة.
ويتضح أن التخلي عن العدوانية أمر صعب بسبب تجذرها في بنية الكائن الإنساني، في هذا الحالة ليست الوسيلة المناسبة إلغاؤها، وإنما في أن نعثر لها عن مخرج أي صمام أمان.

كبش المحرقة (التعصب):
عرض فرويد مفهومه لتماسك الجماعة والتفاف الأعضاء حول القائد في كتابه " علم النفس الجماعي وتحليل الأنا " 1921 يتماسك أعضاء الجماعة فيما بينهم من خلال اشتراكهم في مثل أعلى الذي يجسده القائد القادر على مجابهة الحياة وتحدياتها. وتجد الجماعة هويتها بالمقارنة بالجماعات الأخرى التي تشكل نقيض المثل الأعلى. ويقوم تماسك الجماعة إضافة إلى الصلة التي تربط الأعضاء بالقائد من خلال التماهي به على عملية تماهي متبادل بينهم. بهذا تتجاوز الجماعة عيوبها من خلال تضخم صورتها الإيجابية عن ذاتها بمقدار مثلثة القائد والالتفاف حوله.
أما التناقضات الداخلية للجماعة فإنها تسقطها على الخارج (جماعة أخرى) فتصبح مصدر الشر. ومو هنا يفسح المجال أمام بروز ظواهر التعصب وشن العنف على الجماعة الخارجية التي أسقطت عليهما كل التناقضات والمساوئ المرفوضة بمقدار ما يعلي شأن الجماعة التي تجتذب أعضاءها وتربطهم بها (وبالقائد) برباط وثيق. وبفضل هذه الفوارق والاختلافات تدعي كل جماعة (أو حضارة) لنفسها حق إدراء الجماعات الأخرى.
فالعدوانية لا تنصب على الحاكم المطلق، بل على " كبش محرقة " يعتبر مسؤولاً عن جميع الصعاب التي حلت بالجماعة، ومن هنا كانت النزعة إلى إلصاق صفات إيجابية بالجماعية التي ينتمي إليها الفرد، وصفاته سلبية إلى الجماعة الأخرى (الغريبة) التي تعتبر خطراً داهماً وأنها لنزعة تكمن وراء جميع المظاهر العنصرية.
إن ظاهرة الضحية هي انتقال حوافز العدوان إلى فرد معين أو جماعة بأسرها. وهي تتبدى حين يكون التعبير المباشر عن هذه الحوافز محذوفاً والأخطاء المتخيلة أو الفعلية.
"وقد تبين من تحليل التعصب أن المعتدين قد يسقطون على الضحية صفاتهم الذاتية، وأنمهم يهاجمون صورة مطابقة للصفات المرفوضة في أنفسهم " (المرجع السابق,ص506)

الحروب:
وفي النهاية يرى فرويد أن الحرب ذلك الصراع البطولي الذي نتفاخر به، هي بالأحرى طريقة مفتوحة للانحدار نحو الحيوانية البدائية. إن لجوء الدولة إلى الحرب لا يسهل على الناس طريقهم إلى السعادة بالسيطرة على الثروات المادية، بل أنها تسلك طريقاً معاكساً بخدعة ناجحة تكمن في مجتمع عدوانية مواطنيها بتحويل هذه العدوانية ضد العدو.

ب) العدوان كحتمية بيولوجية
تصر الحتمية البيولوجية على أن تفسر أغراض كل الأمراض الاجتماعية، ابتداء من عنف الشوارع، ومروراً بانتفاضات السود وتمرد المساجين، وحتى جرائم العنف الفردي، تجعل موضعها في اختلال بوظيفة مخ الفرد المعني " وتحدد الحتمية البيولوجية مكان العيب في أمخاخ الأفراد.. والعلاج الملائم هو استخدام الجراحة النفسية والأدوية النفسية" (المرجع السابق, ص516).
وقد تولد من العقود الأخيرة فن البحوث الطبية وبحوث البيولوجيا – العصبية مجموعة من التكنولوجيات لعلاج الأفراد المتمردين أو غير الأسوياء واحتوائهم.
أو قد يكون السبب الفيزيولوجي للعدوان هو خلل في عدد كروموزومات خلايا الإنسان.
بالإضافة إلى أن تقلب بعض الهرمونات والأمينات البيولوجية مثل نور ادرينالين وسيروتونين تسبب عنفاً طارئاً أو مزمناً في شخص ما.
"فالشخص المصاب بخلل في ميزانه الكيمياوي يشدد هيجانه ويعنف إذا حقن بهرمون الذكورة (تستسرون) وفي أشخاص من يعتقدون الثقة بذاتهم تتحسن ثقتهم بالنفس، وينشطون إذا حقنوا بذلك الهرمون. وهنا نلحظ أن الجموح امتداد للسلوك الطبيعي، ذلك أن الثقة بالنفس صفة محمودة تقود إلى تصرفات من العزم الشديد الذي لا يطيقه من يوجه نحوه هذا السلوك" (الدر, ابراهيم فريد- الأسس البيولوجية للسلوك الإنساني- ط1- دار الآفاق الجديدة- بيروت 1983).
في جسم أكثر الكائنات آليات ضرورية لحياتها فتكفل قوة البدن والحركة والتصرف، وتستعمل أيضاً لمقومات البقاء من هرب أو هجوم لدرء الخطر أو الأذى ولا يعني أن تلك الآليات خلقت للقتل والضرب والخبط " هذه أمور واضحة وضوح رفس الحمار حين يؤذيه أو يضايقه شيء ما. بديهي أن الأرجل لم تخلق للرفس أو اليد للضرب والخبط والقذف بالصواريخ ".
فالحتمية البيولوجية تقرر أن البيولوجيا العصيبة وتركيبات الدماغ وكرموزومات الخلايا بالإضافة للهرمونات هي المسؤولة عن إنتاج الوجدان (حب، وكره، وغصب، وخوف).

جـ) العدوان من خلال الأبعاد الأيديولوجية:
الدعوة المحورية التي تصر عليها البيولوجيا الاجتماعية هي أن كل مظاهر الحضارة والسلوك البشري قد وضعت شفرتها في الجنيات وتم تشكيلها بواسطة الانتخاب الطبيعي. فالبيولوجيا الاجتماعية هي تفسير حتمي بيولوجي للوجود البشري، فإذا كانت التنظيمات الاجتماعية الراهنة نتائج لا مفر منها للتركيب الوراثي البشري، فإنه ما من شيء له أي أهمية يمكن تغيره. وفي النهاية فإن كل السلوك البشري وبالتالي كل المجتمع البشري محكوم بسلسلة من العوامل المحددة تجري من الجنيات إلى الفرد حتى مجموع تصرفات كل الأفراد. وبهذا فالإنسان مسير بالكامل ولا يكاد يكون له أي أمل في تغيير مصيره. فإذا كان أصحاب العمل يستغلون العمال، فذلك لأن التطور قد بني من داخلنا جنيات للنشاط الإداري الأمثل، وإذا كان أحدنا يقتل الآخر في الحرب، فذلك بدافع من جنيات الانتماء للمنطقة وإرهاب الأجانب، والقبلية، والعدوانية، نظرية كهذه يمكن أن تصبح سلاحاً قوياً في أيدي واضعي الإيديولوجيات ممن يحمون نظاماً اجتماعياً.

the gospel
Admin

عدد الرسائل : 1420
تاريخ التسجيل : 25/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elmase7kam.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: العدوانيّة..**********

مُساهمة من طرف the gospel في الإثنين 3 مارس 2008 - 23:48

كما أن لهذه النظرية فائدتها أيضاً على المستوى الفردي، فهي تفسر التصرفات الفردية من العدوان وتحمي المعتدين من مطالب المعتدي عليهم. فهي نظرية تفسر (لماذا نفعل ما نفعله) ولماذا نسلك أحياناً سلوك إنسان الكهوف." إن حل هذه المشكلات لا يمكن علاجها عن طريق التغيير الاجتماعي وإنما بعلاج طبيعي يكيف الأفراد للمجتمع. فمشكلات التمرد والعنف والعدوان يمكن علاجها باستخدام العقاقير النفسية، وربما بجراحة المخ، أو حتى بوسائل الهندسة الوراثية التي تغير جنيات الفرد (عباس, ,ص518, 2004).

د) العدوان من منظور المدرسة السلوكية
ترى المدرسة السلوكية بأن الإنسان مفطور على التعليم بالثواب والعقاب، وهي تنفي وجود غريزة للعنف في الإنسان، وتنفي أن الشر ضربة لازم.
وترى أنه لا يعقل أن تظهر في أرقى المخلوقات وسيدها (الإنسان) غريزة خالصة للشر.
تقول المدرسة السلوكية بأن بعض تصرفات الإنسان ترسخ بالتعزيز والاعتياد، ولاسيما إذا استفاد منها كثيراً، فيبعد السلوك عندئذ بقوة وكأنه سلوك غريزي، ويختلط على الإنسان ما هو غريزي وما هو مكتسب.
يقول فرويد: " إذا لم ينحدر الإنسان من سلالات عريقة في القتل، لماذا نهت الوصايا السماوية عن القتل، وكان النهي قوياً"..
يقول أتباع المدرسة السلوكية رداً على هذا القول: " بديهي أن قوله كان صرخة المتألم، ولم يكن يقين الخبي"..
وتثبت المدرسة السلوكية نظرياتها بالإشادة إلى أن التدبير والتحضير للعنف الذي يخيف الإنسان (حروب وفتن) يكونان في جو غير مشحون بالعواطف، وإن كان البدء بالاقتتال يرافقه الإثارة العاطفية. وكما أن غريزة واحدة لا تفسر كل ضروب العنف، فلا يعقل أن تجعل لكل ضرب من العنف غريزة خصوصية له.
ثم إذا كان الشر مستطاعاً في الإنسان من غير غريزة، ومن غير أن نوهم بافتراض طبيعة شريرة للإنسان فلماذا الدأب في السعي نحو غريزة أو طبيعة لا هي ضرورية ولا هي موجودة!
"إن حب العنف لا يسري في عروقنا، بل يدخل حياتنا بالإرادة والتلقين والتعزيز والاقتباس والقياس. ولا تغيرت هذه الأنماط لما ظهر العنف الجماعي" ( الدر, ص365, 1983).
ترى المدرسة السلوكية انه إذا اعتاد الإنسان سلوكاً واستفاد منه يرسخ فيه، فيبدو وكأنه غريزي وأنه إذا أمعن الإنسان في تعزيز العنف وبناء مؤسساته فجعله حرفة تعطيه ربحاً أنيقاً سهلاً والتغير صعب.

هـ ) العدوان: خجل مستتر
هناك اتجاه خامس لتفسير العدوانية، يقول بأن الشخص العدواني ما هو في الأصل إلا شخص خجول جداً، رُبي في أسرة أحاطته بكل عناية ودلال موجهة حياته ومحفضة إياها للنظام بدون الآخذ برأيه. فينشأ هـذا الـفرد وهو خجل إلى أن يصل لوقت يتجرأ فيه على خجله ويحاوله تسيره بعدوانية زائفة " وقد يقول لك هذا العدواني نفسه أيضاً، ذات أمسية من أمسيات النجوى، ربما بعد أن يشرب الخمر: أنا؟ .. كنت رخواً، خجولاً .. ولكني في يوم من الأيام شبعت من ذلك وتصرفت! (داكو, بيير- ترجمة وجيه اسعد- الانتصارات المذهلة لعلم النفس الحديث- ط2-الشركة المتحدة-دمشق- بدون تاريخ,ص130, بدون تاريخ).
فذاك الذي كان يخاف الآخر يخيف الآخرين الآن.
إنه يعتقد بنفسه أنه واثق من نفسه بفضل هجماته المستمرة ومع ذلك يستغرب بسذاجة خالقه أن يرى الفراغ يلف شخصه من كل جانب.
ولكن العدواني يشعر مع ذلك أحياناً أن كل ذلك حقيقي، أو أنه يشعر بأن قوته قوة زائفة وأن طاقته التي يبددها في جميع الجهات طاقة زائفة.
إنه يشعر إذاً بالتناقض بين ما يبدر عليه وما هو عليه، ويولد هذا التناقض حصراً، فعليه إذاً أن يعوض هذا الحصر بتعزيز عدوانيته. إنه يبدد طاقته تبديداً صرفاً، ويبذل الجهود أثر الجهود ليحافظ على درجة قوته، ويفضي به الوضع إلى الإنهاك العصبي في نهاية بضع من السنين.
"ثمة خجول يدعي الشجاعة وكأنه عاصفة العدواني (المرجع السابق, ص125)

2- طبيعة العدوانيّة:
إن الجدل حول الصبغة الفطرية أو البيئة للعدوان لا ينتهي، ومن الواضح أن هناك مدارس كما سبق وذكرنا تؤيد فطريته ومدارس أخرى تؤكد على أنه نتيجة للتفاعل في البيئة الاجتماعية.
لكن أصحاب الرأين المختلفين يتفقون على حقيقة واحدة هو أن العدوان نتيجة للإحباط الناجم بدوره عن عدم قلبية الدوافع على اختلافها.
والآن سنشرح قليلاً عن العدوان بحد ذاته والمظهر الموضوعي له وأشكال السلوك الذي يظهر عليه.
بداية يقول العلماء أن هناك عدة أنواع للعدوان وهي تختلف فيما بينها في عدد من الجهات وتتفق في عدد آخر، إلا أن هذه الأنواع لا ترى من زاوية واحدة بل من زوايا متعددة.
فإذا وقفنا عند الشكل الظاهري الذي يأخذه العدوان نلاحظ وجود ثلاثة أنواع وهي: العدوان الجسدي (ضرب، رفس، قتال بالسلاح) العدوان الكلامي (شتائم، قذف بالسوء، النقد غير البناء الذي يهدف جرح الشخص الآخر ...) والنوع الأخير هو الاعتداء الرمزي الذي نمارس فيه سلوكاً يرمز إلى احتقار الآخر (الامتناع عن النظر إلى الشخص ورد السلام عليه).
أما إذا أخذنا من يظهر عنده العدوان، فإننا نجد العدوان على نوعين: فردي وجماعي.
"ومن الممكن النظر في العدوان إلى مستوى التبرير ينطوي عليه وتميز نوعين. الأول عدوان عقلاني (حرب دفاعية) أما الثاني فينطوي على القليل من المبررات العقلية، يغلب فيه موقف اندفاعي عاطفي من غير تقدير لكامل الظروف تقدير واعي وواضح (عدوان الطفولة، المراهقة).
ثم إن العدوان قد يتجه نحو الذات وقد يتجه نحو الغير، وفي الحالة الأولى يمكن أن يتجه نحو الذات، مباشرة أو نحو ممتلكاتها، وكذلك الأمر في الحالة الثانية.
كذلك يمكن التمييز بين النوعين من العدوان بناء على العامل الأساسي المباشر الذي يدفع إليه.
فقد يكون هذا العامل إحباطاً كما هو الحال في أكثر حالات العدوان، وقد يكون قلقاً." (الرفاعي, نعيم-الصحة النفسية-ط13-منشورات جامعة دمشق-دمشق-2000,ص224, 2000).
ومن الممكن القول أخيراً إن العدوان قد يبلغ درجة يصبح معها مرضياً، ومن هذه الناحية يمكن التمييز بين المألوف من العدوان والمرضي أو الشاذ منه.
إن هذه الأنواع متمايزة كل التمايز ولا هي مستقلة عن بعضها.

3- العوامل في العدوانيّة:
إذا كنا قد اتفقنا أن العدوان ينجم عن عرقلة لإشباع دافع، أو توقع مثل هذه العرقلة، أو يظهر نتيجة قلق يكون الإحباط وراءه.
فإننا نلاحظ أن هناك أربعة أمور تدخلت في تلبية غرض الدافع وكانت بالتالي عوامل في العدوان الأمر الأول هو قوة السلوك المحبط، فكلما كان الواقع أقوى كان العدوان أقوى.
أما الأمر الثاني فهو شدة العرقلة.
والأمر الثالث هو تكرر الإحباط وتراكم الإحباطات.
والأمر الرابع فيعود إلى الشخص نفسه وما عنده من خبرة أو ثقة بنفسه وما عنده من قيم اجتماعية.
"وعلى العكس هناك عوامل تعاكس النزوع العدواني تمنع الإنسان أحياناً من القيام بسلوك عدواني رغماً عن وجود دافع داخلي يدفع إلى ذلك السلوك، وفي الواقع إن العامل الرئيسي وراء الكف عن العدوان هو العقاب وتوقعه. ودرجة الكف تتناسب طردياً مع شدة العقاب وتوقعه." (المرجع السابق, ص232).
وقد يكون العقاب جسدياً أو نوع من النقد والتجريح، وقد يكون نبذاً أو طرداً من الجماعة، وقد يكون حجز أو حرماناً من خيرات، وكذلك قد يكون ألماً أو حزناً أو شعوراً بالأثم. أو من توقع الفشل في العدوان وقد يشترك أكثر من شكل.
والنوع الثالث من العوامل التي تتصل بالعدوان هي العوامل التي تحدد الموضوع الذي ينصب عليه العدوان.
لأصل في العدوان أنه يتجه إلى مصدر العرقلة باعتبار أن هذه العرقلة هي التي تحول دون تلبية غرض الدافع. ولكن يحدث أحياناً أن يتجه العدوان إلى موضوع آخر أ أن يتغير الشكل الذي يأخذه فشدة العرقلة ومناعتها وعدم نفع العدوان عليها تجعل العدوان يتجه نحو مصدر آخر.
وقد يتغير الموضع الذي ينصب عليه العدوان بسبب من العقوبة التي يمكن أن تلحق بالشخص أو بسبب عجزه عن إيقاع العدوان.
ولعل من المناسب أن نذكر هنا أن الانتحار نوع من العدوان الشديد على الذات يأتي بنتيجة الإحباط ويحدث فيه أن يكون منطوياً على تحويل في الموضوع الذي يحبب أن ينصب عليه العدوان، كما يحدث فيه أن يكون عدواناً مباشراً على مصدر العرقلة حين يقتنع الشخص أنه وحده كان السبب في الإحباط الذي مر به.
بالنسبة للدافع الجنسي غير المتحقق، والعدوان الناتج عنه، برأيي الشخصي سيكون الموضوع الذي سينصب عليه هو الجماعة أو المجتمع الذي يعيش فيه الفرد بشكل عام، وبدون توجيهه لشخص معين، فيما أن المجتمع والحضارة المتطورة هي التي تمنعنا عن تلبية دوافعنا الجنسية فبشكل طبيعي ستتجه عدوانيتنا الناتجة عن الإحباط الناجم بدوره عن عدم تلبية الدافع الجنسي ستتجه نحو المجتمع إياه.

خاتمة: تطهير الدوافع
إن الكف عن العدوان يغدو إحباطاً وبخاصة حين يكون الدافع إلى العدوان شديداً، فتغير العدوان يخفف من ضغط توتر الإحباط وينقص من قوة النزوع العدواني، إن هذا النقص أو الانخفاض في قوة النزوع العدواني هو ما يسمى بتطهير العدوان أو تهذيبه. ولكن العدوان قد يكون مؤذياً. فإذا قلنا بمبدأ التطهير وخفض قوة النزوع العدواني يكون علينا إيجاد تحويل للعدوان بحيث ينخفض توتر النزوع العدواني من غير إيذاء لأحد إن التحويل الذي يلجأ إليه بعضاً عن وعي وقصد هو العدوان على الحجارة أو الشجرة، بدلاً من كظم الغيظ أو العدوان على الصديق، وهذا في النهاية هو نوع من التطهير. وكثيراً ما خدمنا هذا النوع من التحويل في الاحتفاظ بصداقة الصديق من جهة، وتخفيف أثر الإحباط من جهة أخرى. وكثيراً ما يكون هذا التحويل تحويلاً من العدوان الجسدي إلى العدوان الكلامي من غير أن يكون الشخص الآخر حاضراً. (المرجع السابق,ص234).

the gospel
Admin

عدد الرسائل : 1420
تاريخ التسجيل : 25/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elmase7kam.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى